صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

252

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

اتّصال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم برهط من الأوس والخزرج ودعوتهم : مكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتبع الناس في منازلهم وأسواقهم بعكاظ ومجنّة ، وفي مواسم الحج في منى ، « حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه فيقولون : احذر غلام قريش لا يفتنك ، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون عليه بالأصابع « 1 » . ولقد كان أهل يثرب من الأوس والخزرج أكثر الناس تجاوبا مع دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عندما عرض عليهم الإسلام « 2 » . وكانت الاتصالات الأولى بالأنصار قد تمّت في مواسم الحج والعمرة ، وقد عرض الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الإسلام على سويد بن الصامت ، غير أنه لم يعلن إسلامه ، كما أنه لم يبعد عنه ، وقد استحسن ما سمع من القرآن ، ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج في حرب « بعاث » ، وكان رجال من قومه يقولون إنه مات مسلما « 3 » . ويذكر جابر بن عبد اللّه الأنصاري مجيء أعداد من الأوس والخزرج إلى الحج ، وعلاقتهم بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول « فأويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام » « 4 » . وكانت الأوس قد سعوا لمحالفة قريش على الخزرج الذين كانوا أكثر منهم عددا ، فقدم أبو الحيسر أنس بن رافع في وفد من بني عبد الأشهل لهذا الغرض ، فسمع بهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فجاءهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال أحدهم ، وهو إياس بن معاذ : « أي قوم ! هذا واللّه خير مما جئتم له ، فانتهره أبو الحيسر فصمت ، وقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنهم ، ورجعوا إلى المدينة ، وجرت الحرب بين الأوس والخزرج « يوم بعاث » ، ثم مات إياس بن معاذ ، وكان قومه يسمعونه يهلل اللّه ويكبره ويحمده ويسبّحه حتى مات ، فما كانوا يشكّون أنه مات مسلما ، فقد استشعر الإسلام في لقائه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك المجلس « 5 » . ومع أن هذين الرجلين من الأوس كانا قد استشعرا الإسلام ، فإن المصادر لم تذكر قيامهما بالدعوة في وسط قومهما ، فإن البداية المثمرة للاتصال بالأنصار كانت مع وفد الخزرج في موسم الحج عند عقبة منى ، الذين التقاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجلس معهم وكلمهم ودعاهم إلى اللّه - عز وجل - ، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن . وقد ذكر ابن إسحاق إسلامهم وقيامهم بالدعوة في المدينة « 6 » .

--> ( 1 ) أحمد - المسند 3 / 322 ، 339 - 340 وإسناده حسن . ( 2 ) ابن هشام - السيرة النبوية 2 / 77 - 79 بإسناد حسن ، وقال ابن حجر في الإصابة 1 / 146 بأنه من صحيح الحديث . ( 3 ) المرجع السابق 2 / 34 . ( 4 ) أحمد - المسند 3 / 339 - 340 . ( 5 ) ابن هشام - السيرة 2 / 36 - 37 بإسناد حسن . ( 6 ) المرجع السابق 2 / 37 - 39 بإسناد حسن .